الشيخ محمد آصف المحسني
110
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
تحقيق وتنوير القول الثالث باطل بما تقدم من أنّه تعالى ليس محلّاً للحوادث ، بل هو قطعي الفساد بيّن الضلال ؛ إذ لا يقبل وجدان عاقل نفي الصفات الكمالية عن الله تعالى أزلًا ، والتفوّه بحدوثها وتجددها فيما لا يزال ، وهذا واضح . وأمّا القول الخامس فقد عرفت أنّه أولى بالبطلان وبديهي الفساد . وأمّا الرابع فإن لم يرجع إلى الثاني فهو كالخامس في خروجه عن طور العقل . وأمّا الأخير فهو يرجع إلى قول الماديين ، فإنّهم ينفون العلم والقدرة عن المبدأ ، ولكن يعترفون بإتقان العالم وأحكامه . وقد سلف أنّ العقل بأول إدراكه يحكم حكماً بتّياً قطعياً أنّ هذا النظام الأجمل لا يمكن صدوره إلا عن عليم قدير حكيم . وبالجملة : كل ما أوردناه على الماديين وذكرناه في إثبات علم المبدأ وقدرته دليل على إبطال هذا القول أيضاً بلا فرق ، فهذا القول مزيف جداً ، لكنّني بعد لم أحرز القائل به . وأمّا القول إبطال هذا القول أيضاً بلا فرق ، فهذا القول مزيف جداً ، لكنّني بعد لم أحرز القائل به . وأمّا القول الثاني فلا دليل عليه أصلًا ، ولم يستدل عليه بشيء سوي ما تخيل بعضهم من التشبّث باختلاف مفاهيم الصفات ، ولكنّنا ذكرنا أنّ العينية راجعة إلى المصداق دون المفهوم . وما يظهر من آخر من الاتكال على أصالة زيادة الصفات قال « 1 » : والدليل عليه : أنّا نفهم الصفات الإلهية من صفات الشاهد ، وكون علة « 2 » الشيء عالماً في الشاهد هي العلم ، فكذا في الغائب ، وحدّ العالم ها هنا من قام به العلم ، فكذا حدّه هناك ، وشرط صدق المشتق على واحد منّا ثبوت أصله ، فكذا شرط فيمن غاب عنّا ، وكذا القياس في باقي الصفات ، ثم نأخذ هذا من عرف اللغة وإطلاقات العرف ، فإنّ العالم لا شك أنّه من يقوم به العلم ، ولو قلنا بنفي الصفات لكذّبنا نصوص الكتاب والسنّة . . . وعندي أنّ هذا هو العمدة في إثبات الصفات الزائدة ، فإنّ الاستدلالات العقلية على إثباتها مدخولة . انتهى . أقول : ويزيّفه أولًا : بطلان قياس الغائب على الشاهد ، كما اعترف به - أي ببطلان القياس المذكور - عدة من أصحابه أيضاً ، وكيف يقاس ربّ الأرباب بالتراب ؟ وأين الخالق من المخلوق ؟ ! لكن هذا القائل لم يخرج عن محيط الحسّ وسلطان الحدوث فذهب إلى ما ذهب ! ثم نقول له : نعم ، علة كون الشيء عالماً هو العلم ، وحدّ العالم من قام به العلم ، وشرط صدق المشتق هو ثبوت أصله ونحن لا نكذب بالنصوص كما هو لازم القول السادس ، بل نقول : إنّ العلم مثلًا قائم به تعالى ، لكن لا قياماً حلولياً كما في الأجسام والجسمانيات ، بل قياماً ذاتياً ، وأنّ
--> ( 1 ) - القائل ابن روزبهان ، لاحظ إحقاق الحقّ 1 / 234 . ( 2 ) - ظاهراً : وعلّة كون . ( المؤلف ) .